الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

586

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

النعمان : وكنت في آخر من خرج ، فنظرت : وما أفقد موضع تمرة من مكانها « 1 » . وفد دوس « 2 » : وكان قدومهم عليه - صلى اللّه عليه وسلم - بخيبر . قال ابن إسحاق : كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بها ، فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا ، فقالوا له : إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر ، يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه ، وبين الرجل وزوجه ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمه ولا تسمع منه . قال : فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت ألّا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا ، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله . قال : فغدوت إلى المسجد فإذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قائم يصلى عند الكعبة ، فقمت قريبا منه ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله : فسمعت كلاما حسنا ، فقلت : وا ثكل أماه . واللّه إني لرجل لبيب شاعر ، ما يخفى على الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان ما يقول حسنا قبلت ، وإن كان قبيحا تركت . قال : فمكثت حتى أتى - صلى اللّه عليه وسلم - إلى بيته ، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت : يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا ، فو اللّه ما برحوا يخوفونى أمرك حتى سددت أذني بكرسف ألّا أسمع قولك ، ثم أبى اللّه إلا أن يسمعنيه ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض على أمرك . فعرض على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الإسلام ، وتلا على القرآن ، فلا واللّه ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه ، فأسلمت وشهدت شهادة

--> ( 1 ) حسن : أخرجه أحمد في « المسند » ( 5 / 445 ) بسند حسن . ( 2 ) انظر « الطبقات الكبرى » لابن سعد ( 1 / 353 ) ، و « زاد المعاد » لابن القيم ( 3 / 624 ) .